تقرير عن محاضرة علمية عن بُعد بعنوان: "المعجمية العربية وخارطة التفكير"
في إطار الأنشطة العلمية والثقافية التي ينظمها بيت اللسانيات، نظم فريق اللسانيات والإنسانيات بأكاديمية بيت اللسانيات الدولية، يوم السبت 24 أكتوبر 2026، محاضرة علمية عن بُعد بعنوان «المعجمية العربية وخارطة التفكير»، ألقاها الأستاذ الدكتور مصطفى عطية جمعة، وسير أشغالها الأستاذ الميلودي المؤذن، بمشاركة متابعين مهتمين بقضايا اللغة العربية والتراث اللغوي والفكر الحضاري.
استُهلت المحاضرة بكلمة افتتاحية للأستاذ الميلودي المؤذن، قدم فيها موضوع اللقاء، وتوقف عند مفهوم المعجمية وأهميتها في دراسة اللغة وتطورها، كما نوه بالجهود التي بذلها مختلف الفاعلين والمساهمين في تنظيم هذه المحاضرة. وقدم بعد ذلك نبذة عن المحاضر ومساره العلمي، مشيرًا إلى بعض مشاركاته السابقة في أنشطة بيت اللسانيات.
في كلمته العلمية، تناول الأستاذ مصطفى عطية جمعة العلاقة بين المعجمية العربية ومسيرة الحضارة الإسلامية، موضحًا أن تطور التأليف المعجمي ارتبط بنمو العلوم العربية والإسلامية وتعدد حاجات العلماء إلى ضبط اللغة وتحديد دلالات ألفاظها. وانطلق المحاضر من مساءلة دلالة العنوان، مبرزًا أن المعجمية تمثل مجالًا للكشف عن كيفية تشكل المعرفة اللغوية وتراكمها، وأن المعاجم لا تُقرأ باعتبارها مجرد قوائم للمفردات، وإنما بوصفها مؤلفات تعكس حاجات المجتمع العلمي واهتماماته في مراحل تاريخية مختلفة.
كما توقف المحاضر عند البدايات الأولى لجمع اللغة العربية وتدوينها، مبينًا أن جهود اللغويين ارتبطت بالحاجة إلى حفظ الألفاظ العربية وضبط استعمالاتها، والاستعانة بأقوال العرب وشواهد الشعر وروايات الأخبار. كما أبرز الصلة الوثيقة بين المعجمية وتفسير القرآن الكريم، مؤكدًا أن فهم النص القرآني يقتضي امتلاك المعرفة اللغوية اللازمة لفهم مفرداته ودلالاته. وفي هذا السياق، أشار إلى إسهام المعاجم في خدمة علوم النحو والصرف والعروض والتفسير والفقه وغيرها من العلوم التي اعتمدت على الدقة اللغوية في بناء مفاهيمها واستنباط قواعدها.
ثم انتقل للحديث عن نشأة الصناعة المعجمية وتطورها، عرض المحاضر انتقال التأليف من مرحلة جمع الألفاظ وشرحها في رسائل لغوية لم تكن تخضع دائمًا لنظام واضح في الفهرسة والتبويب، إلى مراحل أكثر تنظيمًا وتخصصًا. واستشهد بكتاب «الجيم» للشيباني ضمن النماذج المبكرة، ثم أبرز أهمية المعاجم التي اعتمدت تصنيف الألفاظ بحسب معانيها وموضوعاتها، مثل «فقه اللغة» للثعالبي و«المخصص» لابن سيده الأندلسي. ويكشف هذا التطور عن انتقال الجهد المعجمي من مجرد جمع المادة اللغوية إلى تنظيمها وفق علاقات دلالية وموضوعية محددة.
كما تناول المحاضر تنوع أشكال التأليف المعجمي العربي، موضحًا أن اختلاف المعاجم يرتبط باختلاف الأهداف المعرفية التي وُضعت من أجلها. ففي هذا الإطار، أشار إلى معاجم المصطلحات، مستشهدًا بكتاب «التعريفات» لعبد القاهر الجرجاني، وإلى معاجم الكليات، ومنها كتاب الكليات لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي، بما يشتمل عليه من مصطلحات ومعلومات تتصل بمجالات معرفية متعددة. وتطرق كذلك إلى المعاجم التي اهتمت بتتبع التطور الدلالي للألفاظ، مستشهدًا بكتاب «الزينة» لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي.
من القضايا التي حظيت باهتمام المحاضر مسألة التراكم العلمي في التأليف المعجمي، حيث أبرز أن المعاجم اللاحقة استفادت من جهود السابقين في جمع المادة اللغوية وترتيبها وإعادة توظيفها، وضرب مثالًا بمعجم «لسان العرب» لابن منظور، الذي اعتمد على عدد من المصادر المعجمية السابقة. ويؤكد هذا المثال، وفق العرض المقدم، أن تطور المعجمية العربية قام على تراكم الجهود العلمية وتطويرها، وعلى الاستجابة لحاجات معرفية متجددة.
أبرز أيضًا علاقة المعجمية بتنوع لغات العرب ولهجاتهم، مبرزًا أن مصنفي المعاجم كانوا واعين بتعدد الاستعمالات اللغوية واختلافها، وأن هذا الوعي انعكس في بعض الأعمال المعجمية الكبرى، ومنها «تاج العروس» للزبيدي. كما أشار إلى أهمية النظر في تاريخ المفردات وتطور معانيها عبر العصور، وإلى دور الشواهد في توثيق الاستعمالات اللغوية ورصد التحولات الدلالية. وفي هذا السياق، استحضر مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية بوصفه نموذجًا معاصرًا للعناية بالتطور التاريخي للمفردات.
بعد انتهاء العرض، لخص مسير المحاضرة أبرز الأفكار التي تناولها الأستاذ المحاضر، ثم فتح باب المناقشة أمام المتابعين، فتعددت الأسئلة المرتبطة بوظيفة المعجم وعلاقته بالتفكير واللغة والتاريخ.
تمحور السؤال الأول حول العلاقة بين الكلمات التي يتضمنها المعجم والطريقة التي يفكر بها الإنسان، وما إذا كان الإنسان يمنح الكلمات معانيها من خلال تجربته في العالم، أم أن اللغة تسهم بدورها في تشكيل رؤيته للأشياء. وفي جوابه، ربط المحاضر المسألة بفلسفة اللغة، مشيرًا إلى أن التفكير يجري في ضوء المعطيات اللغوية التي يمتلكها الإنسان، وما يتطور منها في سياق التواصل والتفاعل.
أما السؤال الثاني فتعلق بإسهام حركة التدوين اللغوي في نشأة الصناعة المعجمية وتطورها، والعوامل التي ساعدت على انتقال التأليف من جمع اللغة إلى مرحلة التصنيف. وأوضح المحاضر أن جمع الألفاظ من أفواه العرب شكل مرحلة أولى، أعقبتها عمليات الفهرسة والتنظيم والتخصيص الدلالي، وهو ما أسهم في تطوير طرائق التأليف المعجمي.
وانتقل النقاش بعد ذلك إلى مسألة التحولات التي تطرأ على المفردات بمرور الزمن، حيث أشار المحاضر إلى أن رصد هذه التحولات يتم من خلال جهود علماء اللغة وتتبع الاستعمالات والشواهد التاريخية، مستحضرًا معجم الدوحة التاريخي مثالًا على ذلك. كما طُرح سؤال حول مدى كفاية هذا المعجم لفهم المفردات، فذهب المحاضر إلى أنه لا يكفي وحده، بالنظر إلى أن وظيفته الأساسية، وفق ما عرضه، تتمثل في تتبع تطور المفردة عبر العصور من خلال الشواهد.
وقد أبرزت المناقشة أهمية النظر إلى المعجمية باعتبارها مجالًا تتقاطع فيه اللغة والتاريخ والتفكير، كما أتاحت الأسئلة المطروحة توسيع النقاش من تاريخ التأليف المعجمي إلى طبيعة العلاقة بين اللغة وإنتاج المعنى، وإلى إمكانات المعاجم التاريخية وحدودها في تفسير دلالات المفردات.
اختُتمت المحاضرة بالتأكيد على أهمية التراث المعجمي العربي في حفظ اللغة وتوثيق استعمالاتها وخدمة العلوم المختلفة، وعلى ضرورة استحضار السياقات الحضارية والمعرفية التي أسهمت في نشأة المعاجم وتطورها. وقد أتاح اللقاء فرصة للتعريف بمراحل من تاريخ الصناعة المعجمية العربية، وإبراز تنوع أنماط التأليف المعجمي واختلاف وظائفها، إلى جانب فتح نقاش علمي حول علاقة اللغة بالتفكير والتغير الدلالي.
تحرير التقرير: الأستاذ سفيان مهيل
تعليق