"المشترك المعجمي في القرآن الكريم: تجليات الدلالة وإعجاز البيان"
الدكتورة: سماح أبو رياش
تقرير الطالب الباحث: ياسين دحو – عضو الأكاديمية
في إطار الأنشطة العلمية التي تعنى بالدراسات اللسانية القرآنية، نظّمت أكاديمية بيت اللسانيات الدولية، يوم الجمعة فاتح ماي 2026، عبر الفضاء الرقمي، لقاءً علميًا قدّمته الدكتورة سماح أبو رياش، بإشراف الدكتور مروان السكران. وقد شكّلت هذه المحاضرة مناسبة علمية جمعت ثلة من الباحثين والمهتمين بالدرس اللغوي والقرآني من بلدان متعددة، في سياق معرفي اتسم بالحوار العلمي وتبادل الرؤى حول قضايا الدلالة في النص القرآني.
تناولت المحاضرة موضوع "المشترك المعجمي في القرآن الكريم: تجليات الدلالة وإعجاز البيان"، وهو موضوع يندرج ضمن القضايا المركزية في اللسانيات القرآنية المعاصرة. وانطلقت المحاضِرة من بيان أن اللفظة القرآنية قد تحمل أكثر من معنى، وأن هذا التعدد لا يمثل اضطرابًا في الدلالة أو تداخلاً اعتباطيًا بين المعاني، بل يعكس اتساع الطاقة التعبيرية للغة العربية وعمقها البياني. ومن هذا المنظور، اعتبرت أن المشترك المعجمي يمثل وجهًا من وجوه الإعجاز، إذ يمنح النص القرآني قابلية دلالية واسعة، مع بقاء السياق محددًا لمعنى المراد.
ومن الناحية المنهجية، اعتمدت الدكتورة سماح أبو رياش قرينة السياق أساسًا في تحليل الألفاظ المشتركة وترجيح دلالاتها الممكنة. وقد أبرز هذا المنهج أن المعنى لا يُستخلص من اللفظة منعزلة عن محيطها، وإنما يتحدد من خلال بنيتها التركيبية، ومقام ورودها، وعلاقتها بالنظام الدلالي العام للآية. ويكشف هذا التوجه عن وعي منهجي يستفيد من مكاسب التحليل اللساني الحديث في قراءة النص القرآني.
انتظمت المادة العلمية للمحاضرة في خمسة محاور رئيسة:
-
المحور الأول: المشترك اللفظي (اتحاد اللفظ وتعدد المعنى). عرضت فيه نماذج قرآنية مثل لفظ "مثابة" الذي يحتمل معنى الرجوع أو الثواب، ولفظ "رهوا" الذي رجّح فيه معنى السعة أو السكون تبعًا للسياق. وقد أبان هذا المحور أن المعنى المختار لا ينفصل عن الوظيفة البيانية داخل السياق.
-
المحور الثاني: المشترك الناتج عن اختلاف اللهجات العربية، مثل لفظ "سريًا" في قصة مريم عليها السلام، حيث رجّح معنى الجدول المائي لملاءمته لسياق المخاض والتطهر. ويبرز هذا أهمية المعطى اللهجي في تفسير الدلالة.
-
المحور الثالث: المشترك الناتج عن التطور الدلالي، حيث تنتقل بعض الألفاظ من معنى أصلي إلى معانٍ أخرى بفعل التحول الحضاري أو التداولي، مثل لفظ "السيارة" و*"الترتيل"*.
-
المحور الرابع: المشترك الناتج عن القراءات القرآنية، مثل لفظ "فصرهن" الذي يحتمل معنى القطع أو الإمالة، وقد رجّح معنى القطع استنادًا إلى السياق.
-
المحور الخامس: المشترك الناتج عن التضاد (الأضداد)، حيث تحمل بعض الألفاظ معنيين متقابلين، مثل "العابدين" و*"أخفيها"*، مع بقاء السياق هو المرجع الحاسم في تحديد المعنى.
وقد خلصت المحاضرة إلى عدة نتائج، أبرزها أن المشترك المعجمي يكشف عن كثافة الدلالة في اللفظة القرآنية، ويبرز قدرتها على حمل وجوه متعددة من المعنى دون الإخلال بوحدة النص. كما أكدت أن تعدد التفسيرات لا يمثل تناقضًا، بل يعكس سعة البيان القرآني وثراءه التأويلي، مع ارتباط وثيق بالمعجم العربي.
أما على مستوى التوصيات، فقد دعت الدكتورة إلى:
- تجاوز الاكتفاء بإعادة أقوال السابقين
- الانفتاح على أدوات البحث اللساني الحديث
- العودة إلى كتب التفسير العميقة
- التأكيد على مركزية السياق باعتباره المرجع الأهم في توجيه المعنى
تعليق