بيت اللسانيات بيت اللسانيات

آخر الأخبار[cards]

جاري التحميل ...

تعليق

النقد كفعل قراءة: تحرير النص من عتمة الشكلانية | يمنى العيد

النقد كفعل قراءة: تحرير النص من عتمة الشكلانية

بقلم: يمنى العيد

ملخص

​يسعى هذا المقال إلى إعادة الاعتبار لـ "المعنى" في الممارسة النقدية العربية، بعد عقود من الهيمنة البنيوية التي حصرت النص في أدائه التقني. إنني أطرح هنا "القراءة" ليس كفعل تلقٍّ سلبي، بل كعملية "إحالة مرجعية" نشطة يستكمل بها القارئ حياة النص، مع التأكيد على خصوصية الرواية العربية التي استعارت التقنيات الغربية لتكتب بها إبداعها الخاص لا لتقلدها.

الكلمات المفتاحية

​النقد الأدبي، فعل القراءة، المعنى، الإحالة المرجعية، المتخيل الأدبي، الرواية العربية، البنيوية، التواصل الجمالي.

​لقد آلت ممارستنا النقدية العربية، منذ منتصف السبعينيات، إلى نوع من "الحداثة الشكلية" التي أولت البنى والتقنيات أهمية قصوى، وتركت "المعنى" ينوس في العتمة. كنا ننبهر بآليات التركيب وثنائيات الدلالة، لكننا أغفلنا أن الأدب في جوهره هو "تواصل"، وأن هذا التواصل لا يتحقق إلا بقطبين: قطب فني يرتبط بالتأليف، وقطب جمالي يرتبط بالقارئ.

سؤال المعنى والعودة إلى القراءة

​إن سؤالي النقدي اليوم لا يقف عند حدود "الأدبية" المجردة أو الأداء التقني الصرف؛ لأن في ذلك تهميشاً للأدب وتجريداً للنقد من فاعليته الحيوية. القراءة التي أعنيها هي "تأويل" يحاور النص عبر وسائطه التقنية، مستنبطاً المعنى من خلال ما تحيله عليه الحكاية المروية. القارئ ليس مجرد مستقبل لرسالة، بل هو "ذات نشطة" تقوم بعملية الإحالة المرجعية.

​هذا المرجع ليس واحداً بالنسبة للجميع؛ فالواقع الذي تحيل عليه الكتابة يختلف باختلاف منظور القارئ وذاكرته وثقافته. ومن هنا تنبع "تعددية القراءات" وجماليتها، حيث يصبح النص متغيراً مستمراً في الزمن، لا مجرد وثيقة جامدة.

عن الرواية العربية: إفادة لا محاكاة

​لطالما ساد اعتقاد بأن روايتنا العربية هي مجرد صدى أو محاكاة للرواية الغربية. ومن خلال اشتغالي على "المرجع" وعلاقته بالواقع الاجتماعي، توصلت إلى قناعة راسخة: الرواية العربية لا تقلد الغرب. نعم، نحن استعرنا "التقنيات" كالشخصية والزمن والحبكة، وهي تقنيات عامة تشبه "نول الحياكة"؛ لكن "السجاد" الذي نسجناه كان عربياً بامتياز.

​عندما قرأتُ نجيب محفوظ أو روايات الحرب اللبنانية، وجدت عالماً مرجعياً خاصاً، ومناخاً، وشخصيات، وأوجاعاً لا تشبه إلا أهلها. إن المروي هو الذي يفرض فنيته الخاصة، والإبداع الحقيقي يكمن في كيفية تطويع تلك التقنيات العامة لخدمة خصوصيتنا الثقافية والوجودية.

أزمة النقد الراهنة: بين العزوف والاستسهال

​أقولها بمرارة: نحن نعيش اليوم زمن "تراجع النقد". لقد غادر الكثير من النقاد الجادين حصونهم النقدية نحو كتابة الرواية أو الشعر، وباتت وسائل التواصل الاجتماعي تضج بآراء انطباعية تفتقر للمرجعية والمفاهيم الرصينة. لقد استبدلنا الدراسة المعمقة بـ "المجاملة السريعة"، وهو ما أفقد النقد سلطته المعرفية.

​لقد قضيت أربعين عاماً من حياتي في مشقة البحث، من أفلاطون واليونان وصولاً إلى الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني الذي أبهرني بمفهوم "معنى المعنى". هذا التراث العظيم هو ما نحتاج اليوم أن نضيء عليه لنفهم كيف يمكن للقراءة أن تنير عوالمنا الداخلية وتكشف المسافة بين "المتخيل" و"العالم".

خاتمة

​إن الأدب هو الموقع الأخير الذي يمكن للإنسان أن يصون فيه وجوده وحقه في حياة إنسانية عادلة. ويبقى النقد، بوصفه "قراءة"، هو الأداة التي تمنح هذا الأدب شريان حياته، وتربطه بنبض الشارع ومرويات الناس اليومية.


عن الكاتب

بيت اللسانيات | Bitlisaniyat

التعليقات


اتصل بنا

من أجل البقاء على تواصل دائم معنا ، قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في موقعنا ليصلك كل جديدً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

بيت اللسانيات