بيت اللسانيات بيت اللسانيات

آخر الأخبار[cards]

جاري التحميل ...

تعليق

الظلال الدلالية والمعاني الإيحائية في ترجمة المصطلحات الطبية من الإنجليزية إلى العربية | الدكتور خزروني محسن

تتناول هذه الدراسة التحليلية المستندة إلى الندوة العلمية التي قدمها الدكتور خزروني محسن عبر "بيت اللسانيات"، قضية جوهرية في حقل الدراسات الترجمية المعاصرة، وهي "الظلال الدلالية والمعاني الإيحائية في ترجمة المصطلحات الطبية من الإنجليزية إلى العربية". يركز البحث على البعد النفسي والاجتماعي للمصطلح الطبي، متجاوزاً المفهوم المعجمي الجاف إلى آفاق التأثير الوجداني على المتلقي.



المعنى الإيحائي والظلال الدلالية في الخطاب الطبي

​تعد الترجمة الطبية من أصعب مجالات الترجمة نظراً لدقتها وخطورة نتائجها، إلا أن التحدي لا يكمن فقط في نقل المعنى التعييني (Denotative Meaning) وهو المعنى الحرفي الذي تقدمه القواميس، بل في نقل المعنى التضمني أو الإيحائي (Connotative Meaning). يشير الباحث إلى ما يسمى بـ "الظلال الدلالية"، وهي تلك الإيحاءات النفسية والاجتماعية التي تحف بالمصطلح وتؤثر في كرامة المريض ومشاعره. فالمصطلح الطبي ليس مجرد أداة لوصف حالة بيولوجية، بل هو رسالة اجتماعية قد تحمل وصماً أو تبعث أملاً.

تلطيف التعبير (Euphemism) كاستراتيجية أخلاقية

​يبرز مفهوم "تلطيف التعبير" أو "تحسين اللفظ" كأداة محورية في يد المترجم الطبي. تهدف هذه الاستراتيجية إلى اختيار مفردات أكثر لطفاً وتجنب الألفاظ التي تسبب صدمة نفسية أو تعكس انطباعاً سلبياً عن المريض. يرى الباحث أن المترجم ليس مجرد ناقل للغة، بل هو وسيط ثقافي وأخلاقي يجب عليه مراعاة "وقار المتلقي" وتجنب الكلمات التي تحمل حمولة من العجز أو الانكسار.

تحليل نقدي لنماذج من المصطلحات الطبية المترجمة

​استعرضت الدراسة مجموعة من المصطلحات التي تثير إشكاليات دلالية عند نقلها إلى العربية:

  • مصطلح الإعاقة (Disability): يشير التحليل إلى أن الكلمة في العربية والإنجليزية تحمل حمولة سلبية تركز على "عدم القدرة". ومن هنا جاءت المبادرات الحديثة لتغيير المصطلح إلى "ذوي الاحتياجات الخاصة" أو "أصحاب الهمم"، وهي ترجمة تهدف إلى تغيير النظرة المجتمعية من العجز إلى القدرة والإرادة.
  • الخرف (Dementia): يوضح الباحث أن الأصل اللاتيني للكلمة والمقابل العربي "خرف" يرتبطان بفقدان العقل، وهو ما يسبب حرجاً كبيراً للمريض وعائلته. وتطرح الدراسة تساؤلاً حول مدى كفاية مصطلح "فقدان الذاكرة" كبديل، مع ملاحظة أنه يصف عرضاً واحداً فقط ولا يفي بالوصف العلمي الدقيق للمرض، مما يضع المترجم أمام معضلة الموازنة بين الدقة العلمية واللطف اللفظي.
  • السكته والدبحة (Stroke & Angina): تحمل هذه المصطلحات في الوجدان العربي إيحاءات بالموت المفاجئ والذبح، مما يزيد من هلع المريض. ويقترح الباحث البحث عن بدائل وصفية تخفف من حدة الوقع النفسي لهذه الكلمات.
  • التماس الجسدي الحميم (Physical Intimacy): عند ترجمة طرق انتقال الأمراض، يبرز التحدي الثقافي. فبدلاً من استخدام لغة مباشرة قد تبدو فجة في السياق العربي والإسلامي، يتم اللجوء إلى تعبيرات مثل "التماس الجسدي" أو "الملامسة"، وهو أسلوب يجد جذوره في البلاغة القرآنية التي تستخدم الكناية في المواضيع الحساسة.

إشكاليات النقل الصوتي والتعريب

​ناقش الباحث استراتيجيتين شائعتين في التعامل مع المصطلحات الأعجمية:

  1. النقل الصوتي (Transliteration): مثل كتابة "مايكروويف" أو "زهايمر" كما تنطق. ويرى الباحث أن هذه الطريقة هي الأقل نجاحاً لأنها لا تقدم شرحاً للمتلقي وتجعل المصطلح غريباً عن البنية اللغوية العربية.
  2. التطويع أو التعريب (Naturalization): وهو محاولة صهر الكلمة في قوالب اللغة العربية لتصبح أكثر استساغة، وهي استراتيجية تهدف إلى ردم الفجوة بين المصدر والهدف.

الخلاصة والتوصيات

​ينتهي البحث إلى أن الترجمة الطبية ليست مجرد عملية لسانية، بل هي مسؤولية اجتماعية وإنسانية. إن المترجم الناجح هو من يستطيع فك شفرات "الحقيبة غير المرئية" التي يحملها المصطلح الطبي، مراعياً ثقافة الجمهور المستهدف وكرامته. وتوصي الدراسة بضرورة التعاون بين الأكاديميين اللغويين والمتخصصين في الطب لسك مصطلحات عربية حديثة تجمع بين الدقة العلمية والجمال اللفظي واللطف الإنساني، بما يضمن تطور الخطاب الطبي العربي في الفضاء العام دون المساس بالهوية أو الوقار الاجتماعي.



عن الكاتب

بيت اللسانيات | Bitlisaniyat

التعليقات


اتصل بنا

من أجل البقاء على تواصل دائم معنا ، قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في موقعنا ليصلك كل جديدً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

بيت اللسانيات