بيت اللسانيات بيت اللسانيات

آخر الأخبار[cards]

جاري التحميل ...

تعليق

تعليم العربية للناطقين بغيرها: استراتيجيات التعلم وأساليبه

 تعليم العربية للناطقين بغيرها: استراتيجيات التعلم وأساليبه

ماجدولين النهيبي (جامعة محمد الخامس - المغرب)



ملخص:

يسعى هذا المقال إلى تحليل الأسس المعرفية والبيولوجية التي تحكم عملية تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها، منتقلاً من المقاربات التقليدية التي تركز على المعلم والمحتوى إلى مقاربة حديثة تضع "المتعلم" ودماغه في مركز العملية التعليمية. يستعرض المقال الفروق الجوهرية بين استراتيجيات التعلم كأدوات إجرائية، وبين أساليب التعلم كسمات إدراكية مستقرة نسبياً. كما يحلل المقال دور الوظائف العصبية للفصين الأيمن والأيسر في توجيه الميول التعلمية، ويخلص إلى ضرورة صياغة برامج تعليمية مرنة تستجيب للتنوع الأنثروبولوجي والسيكولوجي للمتعلمين.

الكلمات المفتاحية

تعليم العربية للناطقين بغيرها، استراتيجيات التعلم، أساليب التعلم، ثنائية الدماغ، اللسانيات التطبيقية، المخرجات التعليمية، البيداغوجيا الفارقيه.

المقدمة

تعد اللغة العربية منظومة لسانية معقدة تتطلب في تدريسها لغير الناطقين بها وعياً يتجاوز البنية النحوية والصرفية إلى فهم "ميكانيزمات" التعلم البشري. إن التحدي الحقيقي في الديداكتيك الحديث ليس في وفرة المادة العلمية، بل في مدى انسجام طرائق التدريس مع "البروفايل" الذهني للمتعلم. يطرح هذا المقال رؤية نقدية للمناهج السائدة، مستنداً إلى معطيات علوم الأعصاب واللسانيات النفسية، لبيان أثر الفوارق الفردية في نجاح الاكتساب اللغوي.

أولاً: الإطار المفاهيمي (الاستراتيجية مقابل الأسلوب)

يجب التمييز بدقة بين مفهومين متداخلين في الأدبيات التربوية:

استراتيجيات التعلم: وهي مجموعة "الحيل" والعمليات الذهنية الواعية التي يوظفها المتعلم لتيسير استيعاب اللغة وتجاوز عقبات الفهم، وهي أدوات مكتسبة وقابلة للتطوير والتدريب.

أساليب التعلم: وهي الميول الفطرية والسمات الشخصية التي تحدد كيفية استقبال المتعلم للمعلومات ومعالجتها. فالأسلوب يمثل "البصمة الذهنية" التي تجعل متعلماً يميل للمحسوس، وآخر للمجرد، وثالثاً للتفاصيل الدقيقة.

ثانياً: التحليل الأنثروبولوجي والتربوي للمتعلم

إن بناء أي منهاج تعليمي رصين يجب أن ينطلق من دراسة "خلفية المتعلم"؛ فالعمر، والارث اللغوي (اللغة الأم)، والأغراض الخاصة (دبلوماسية، أكاديمية، دينية) ليست مجرد هوامش، بل هي موجهات أساسية للعملية التعليمية. وتشير الورقة إلى أن المتعلم البالغ يمتلك مرونة ذهنية تزداد كلما تعددت اللغات التي يتقنها، مما يجعل الدماغ أكثر قدرة على الربط بين "الكليات اللغوية" المشتركة بين اللغات البشرية.

ثالثاً: ثنائية الدماغ وأثرها في تعلم اللغة

يمثل الدماغ البشري بشقيه (الأيمن والأيسر) وحدة متكاملة، لكن الممارسات التعليمية غالباً ما ترجح كفة على أخرى:

الدماغ الأيسر (المنطقي/التحليلي): هو المسؤول عن معالجة القواعد، الإعراب، المنطق الرياضي، والتعليمات الشفهية الدقيقة. ورغم أهميته، فإن الإغراق فيه يؤدي إلى جفاف العملية التعليمية.

الدماغ الأيمن (الحدسي/الشمولي): هو المسؤول عن استيعاب الصور، الخيال، الموسيقى اللغوية، والمجاز. إن تفعيل هذا الشق يضمن ارتباطاً عاطفياً بالمادة العلمية، مما يرفع من معدلات الاستبقاء والذاكرة الطويلة الأمد.

نحو توازن ديداكتيكي: تؤكد الورقة أن الفشل في بعض طرائق التدريس يعود إلى "الاستدعاء المفرط" لوظائف الدماغ الأيسر (كحفظ المتون والقواعد الجافة) على حساب الجوانب التواصلية والإبداعية التي يحركها الدماغ الأيمن.

رابعاً: تصنيف المتعلمين وفق أساليب المعالجة

بناءً على الدراسات التجريبية، يمكن تصنيف المتعلمين إلى أنماط متباينة، منها:

المستقلون عن المجال: الذين يتميزون بقدرة فائقة على تحليل العناصر الدقيقة داخل السياقات المشوشة.

المرتبطون بالمجال: الذين يميلون لفهم السياق العام والشمولي قبل الدخول في التفاصيل.

النمط البصري مقابل السمعي أو اللمسي: حيث يتفوق كل نمط في مهارات معينة (كالإملاء، أو النطق، أو التفاعل مع الوسائط التعليمية).

الخاتمة

إن تعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها هو رحلة اكتشاف بين ثقافتين، ونجاح هذه الرحلة رهين بمدى وعي المدرس بالخلفيات السيكولوجية لطلابه. إن الانتقال من "اللغة الصماء" التي تدرس في القوالب النحوية الجامدة إلى "اللغة الحية" التي تخاطب فصي الدماغ وتراعي الميول الفردية هو السبيل الوحيد لتحقيق سيادة اللغة العربية عالمياً.

التوصيات

عقلنة التدريس النحوي: اعتماد النحو الوظيفي الذي يخدم الممارسة التواصلية، وتأجيل النحو الوصفي المتخصص لمراحل لاحقة.

تنويع الموارد التعليمية: ضرورة أن يتضمن الدرس الواحد موارد بصرية (صور وفيديوهات)، وسمعية (أشرطة وإيقاعات)، وحركية (بطاقات ومجسمات) لإشباع كافة أنماط التعلم.

تأهيل المدرس كـ "مصمم محتوى": عدم الاكتفاء بالمواد الجاهزة في الإنترنت، وتدريب الأساتذة على تكييف النصوص لتناسب المستويات المعيارية (مثل إطار الأكتفل).

تعزيز الانغماس الثقافي: ربط تعلم اللغة بالتعرف على ثقافة الآخر، وتوفير بيئات تواصلية تحاكي الواقع اليومي للمتعلم.

الاستثمار في الذكاء الروحي والعاطفي: خلق بيئة تعليمية مريحة تراعي الجوانب النفسية للمتعلم (كالسماح بطقوس خاصة أو توظيف الفنون)، مما يقلل من "المصفاة العاطفية" التي قد تعيق التعلم.

عن الكاتب

بيت اللسانيات | Bitlisaniyat

التعليقات


اتصل بنا

من أجل البقاء على تواصل دائم معنا ، قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في موقعنا ليصلك كل جديدً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

بيت اللسانيات